الغزالي

173

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

إلّا القوت ، وإذا أعطيتك منها القوت ، وجعلت حسابها على غيرك ، فأنا إليك محسن . وقال ابن مسعود : إذا طلب أحدكم الحاجة فليطلبها طلبا يسيرا ، ولا يأتي الرجل فيقول : إنك وإنك فيقطع ظهره ، فإنّما يأتيه ما قسم له من الرزق ، أو ما رزق . وكتب بعض بني أميّة إلى أبي حازم يعزم عليه إلّا رفع إليه حوائجه ، فكتب إليه : قد رفعت حوائجي إلى مولاي ، فما أعطاني منها قبلت ، وما أمسك عنّي قنعت . وقيل لبعض الحكماء : أيّ شيء أسرّ « 1 » للعاقل ؟ وأيّما شيء أعون « 2 » على دفع الحزن ؟ فقال : أسرّها إليه ما قدّم من صالح العمل ، وأعونها له على دفع الحزن الرضا بمحتوم القضاء . وقال بعض الحكماء : وجدت أطول النّاس غمّا الحسود ، وأهنأهنم عيشا القنوع ، وأصبرهم على الأذى الحريص إذا طمع ، وأخفضهم عيشا أرفضهم للدنيا ، وأعظمهم ندامة العالم المفرّط . وفي ذلك قيل : أرفه ببال فتى أمسى على ثقة * أنّ الذي قسم الأرزاق يرزقه فالعرض منه مصون لا يدنسه * والوجه منه جديد ليس يخلقه إن القناعة من يحلل بساحتها * لم يلق في دهره شيئا يؤرّقه وقد قيل أيضا : حتّى متى أنا في حلّ وترحال * وطول سعي وإدبار وإقبال ونازح الدار لا أنفك مغتربا * عن الأحبة لا يدرون ما حالي بمشرق الأرض طورا ثم مغربها * لا يخطر الموت من حرصي على بالي ولو قنعت أتاني الرّزق في دعة * إنّ القنوع الغنى لا كثرة المال وقال عمر رضي اللّه عنه : ألا أخبركم بما أستحلّ من مال اللّه تعالى : حلّتان لشتائي

--> ( 1 ) أسرّ : أفرح ، أي يدخل السرور والفرح على قلب العاقل . ( 2 ) أعون : من المعونة وهي المساعدة .